دعم نفسي ومعنوي مواضيع الساعة

كيف تسرق السوشيال ميديا صوتك الداخلي؟.. من كلمتي في ملتقى القادة والمبدعين العرب

في ملتقى القادة والمبدعين العرب الدولي، الذي عُقد مؤخراً في القاهرة برئاسة الدكتور أشرف الرزيقي، مؤسس ورئيس مجلس إدارة الملتقى، وتحت عنوان “صراع الأجيال والمحتوى الهادف،” كانت لي مشاركة خاصة.

ألقيت كلمة في أحد محاوره، وتشرفت بـ”وسام القيادة والإبداع” الذي سلّمه لي الإعلامي والنائب أسامة شرشر، رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير جريدة النهار، إلى جانب الدكتور أشرف الرزيقي مؤسس الملتقى.

وقد ترأس الجلسات الأستاذ الدكتور جمال شعبان، أستاذ أمراض القلب والعميد الأسبق للمعهد القومي للقلب، إلى جانب حضور الفنان القدير عبدالسلام الدهشان.

الملتقى لم يكن مجرد لقاء روتيني، بل منصة ناقشت كيف تؤثر الكلمة والمحتوى الرقمي على قيم النشء والمجتمع العربي كله، وكيف يمكن بناء حوار بنّاء بين الأجيال عبر محتوى هادف يحافظ على الهوية ويقلل الفجوة.

كانت كلمتي جزءاً من هذا النقاش، وامتدت إلى أكثر من جانب. سأركز هنا على محور أساسي تحدثت عنه وهو تأثير السوشيال ميديا، مثل الريلز والمحتوى المرئي المثالي، على تصورنا عن أنفسنا، وعلى الحوار الداخلي الذي ينشأ بعد ذلك.


الشاشات اللامعة.. مصيدة المقارنة غير العادلة

نجلس نتصفح الريلز واحدة تلو الأخرى. نرى أفراحاً فاخرة، ولائم كبيرة، رحلات إلى الساحل، لحظات يبدو فيها الجميع ناجحين وسعيدين وممتلئين بالحياة. الصورة مرتبة بعناية، واللقطة مختارة بعناية أكبر.

ثم نغلق الموبايل. وهنا يبدأ شيء مختلف تماماً.

ما يبقى في الذهن ليس مجرد صورة جميلة، بل مقارنة صامتة: “الناس دي فين وأنا فين؟ أنا مش عايش زيهم”.

يتسلل شعور غريب بالبعد والنقص. يبدأ الحوار الداخلي: “أنا قليل… أنا لا أستحق… حياتي ناقصة”. هذا الشعور بالدونية ليس مصادفة، بل نتيجة طبيعية لما يُسمى في علم النفس “المقارنة الاجتماعية التصاعدية“.

نظرية المقارنة الاجتماعية التي طرحها عالم النفس ليون فيستينجر عام 1954 توضح أن الإنسان بطبعه يقيّم نفسه من خلال مقارنته بالآخرين، خاصة عندما لا توجد معايير موضوعية واضحة.

والسوشيال ميديا توفر بيئة مثالية لهذا النوع من المقارنة، لكنها مقارنة غير عادلة.

نحن نرى “أبرز اللحظات” فقط، لا نرى التعب أو الفشل أو اللحظات العادية.
النتيجة؟ انخفاض في تقدير الذات، وزيادة في القلق والشعور بالعجز، خاصة لدى المراهقين والشباب الذين ما زالوا يبنون هويتهم.

هل هذا صوتك حقاً، أم صدى لما تستهلكه؟

الأخطر أن هذا الحوار الذي يدور داخلنا بعد مشاهدة المحتوى ليس بالضرورة صوتنا الحقيقي. كثيراً ما يكون صوتاً مركباً من كلام سمعناه من الأهل أو المدرسة أو المسلسلات أو الأفلام أو حتى من المحتوى الذي نستهلكه يومياً. يصبح هذا الصوت الداخلي معياراً نقيس به أنفسنا وعلاقاتنا.

نرى على سبيل المثال جملاً سطحية تنتشر عن العلاقات:

“لو كان بيحبني ما كانش زعلني،” أو “لو مهتم كان هيعرف لوحده”.

هذه الجمل تبسّط العلاقات الإنسانية المعقدة، وتخلق “تشوهاً معرفياً” يجعلنا نطالب الآخرين بقراءة أفكارنا، أو نحكم على العلاقة بمعيار مثالي غير واقعي. العلاقات الطبيعية فيها صعود وهبوط، وفيها سوء تفاهم وفيها تصالح. عندما نسطحها بهذه الطريقة، نؤثر ليس فقط على أنفسنا، بل على معايير المجتمع كله.

المعايير التي نبتلعها دون أن نشعر

الخطير في الأمر أن المعيار يتغير تدريجياً. ما نراه كثيراً يصبح مألوفاً، ثم يصبح “طبيعياً”، ثم يصبح المقياس الذي نحكم به على كل شيء.

هذا ينطبق على صور النجاح والجمال والحياة “المثالية،” كما ينطبق على طريقة تعاملنا مع أنفسنا ومع الآخرين.

الكلمة التي تبني.. والكلمة التي تحفر قبراً

في ختام حديثي في الملتقى، استشهدت بما جاء في مسرحية “الحسين ثائراً” لعبد الرحمن الشرقاوي، حيث يقول الحسين عليه السلام عن الكلمة:

هذا ليس كلاماً بلاغياً فقط. الكلمة التي نكتبها أو ننشرها أو نرددها داخلياً تغير المعايير.

المحتوى الذي نصنعه أو نستهلكه يساهم في تشكيل الحوار الداخلي لملايين الناس. إذا كان المحتوى سطحياً أو مثالياً بشكل مبالغ فيه، فإنه يغذي شعور النقص. أما إذا كان هادفاً وصادقاً ويراعي تعقيد الحياة الإنسانية، فإنه يمكن أن يفتح باباً للوعي والاستحقاق الحقيقي.

حتى لو غيّر الكلام حياة عشرة أشخاص فقط، فهو يستحق. أن يشعر إنسان أنه من حقه أن يعيش حياته كما هي، لا كما يراها في الريلز، وأن يخرج من علاقة مؤذية إذا لزم الأمر، وأن يدرك أن له مساراً مختلفاً عن الآخرين… هذا بحد ذاته إنجاز.

التربية التي تغذي الشعور بالنقص

تحدثت أيضاً في الملتقى عن جانب آخر بالغ الأهمية وهو كيف تساهم بعض أساليب التربية في تعميق الفجوة بين الأجيال، والأخطاء الشائعة التي يرتكبها الآباء.

كيف أصبح كثير من الأبناء يشعرون بأنهم “غير مرئيين” أو غير مفهومين. وكيف أن الطاعة المطلقة لغير الله، والتعامل مع الأبناء كأنهم ملكية خاصة، يخلق أجيالاً تابعة أو متمردة بطرق مؤذية.

هذا الموضوع يحتاج مساحة مستقلة، وسأعود إليه في مقال قادم بمزيد من التفصيل، لأن فهم جذور المشكلة يساعد في بناء حلول حقيقية.

سؤال في الختام

ما رأيته وسمعته في الملتقى أكد لي مجدداً أن المحتوى الهادف ليس رفاهية، بل ضرورة.

نحن لا نغير المعايير فقط بما نقوله، بل بما نكرره وبما نسمح له أن يدخل إلى حوارنا الداخلي. السؤال الذي يبقى معنا بعد إغلاق الموبايل:

هل الحوار الذي يدور في أذهاننا صوتنا نحن، أم صوت الصور التي رأيناها والكلمات التي استهلكناها؟

الوعي بهذه الآلية هو الخطوة الأولى. أما الخطوة التالية فهي أن نختار كلماتنا ومحتوانا بعناية أكبر، لأن الكلمة، كما قيل، قد تكون نوراً… أو قبراً.


د. سحر عبدالعال حامد
استشاري إرشاد أسري | لايف كوتش معتمد

شارك المقال إذا أعجبك